أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي
122
تقييد العلم
خيانة ، ولا أكثر أعجوبة وتصرفاً ، ولا أقل صلفاً وتكلفاً من كتاب . وبعد ، فمتى رأيت بستاناً يحمل في ردن ، وروضة في كف ، وحجراً ينطق عن الموتى ، ويترجم كلام الأحياء ، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق إلا بما تهوى ؛ أبر من أرض ، وأكتم للسر من صاحب السر ، وأضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة ، صامت ما أسكته ، وبليغ إذا استنطقته ، ومن لك بمسامر لا يبتديك في حال شغلك ، ويدعوك في أوقات نشاطك ، ولا يحوجك إلى التجمل له والتذمم منه ، ومن لك بزاير ، إن شئت جعلت زيارته غباً ، وورده خمساً ، وإن شئت لزمك لزوم ظلك ، وكان منك مكان بعضك . والكتاب مكتف بنفسه ، ولا يحتاج إلى ما عند غيره . وهو الجليس لذي لا يطريك ، والصديق الذي لا يغريك ، والرفيق الذي لا يملك ، والمستمنح الذي لا يزيدك ، والجار الذي لا يستبطئك ، والصاحب الذي يريد استخراج ما عندك بالملق ، ولا يعاملك بالمكر ، ولا يخدعك بالنفاق ، ولا يختال لك الكذب ، والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك ، وشحذ طباعك ، وبسط لسانك وجود بيانك ، وفخم ألفاظك ، وعمر صدرك ، ومنحك تعظيم العوام ، وصداقة الملوك ، وعرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر ، مع السلامة من الغُرم ، وكد الطلب ، والوقوف بباب المكتب بالتعليم ، والجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقاً وأكرم منه عرقاً . وهو المعلم الذي إن افتقرت لم يحقرك ، وإن قطعت المادة لم يقطع عنك الفائدة ، وإن عزلت لم يدع طاعتك ، وإن هبت ريح لم يتقلب عليك . أخبرني أبو علي الحسن بن علي بن عبد الله المقري ، حدثنا أبو الفرج عبيد